Monday, 4 January 2010

أولاد أم كلاب؟





A young beggar asks for money from a driver stuck at a jammed highway leading to downtown Beirut. (AFP /Joseph Barrak)



أودّع نهاية الأسبوع، أجلس خلف المقود كمن يجلس في مقهى، أتأمل رذاذ المطر يصطدم بالزجاج الأمامي، يتفتت ويسيل بكسل. أراقب الضوء الأحمر الممدد ببلادة في إشارة سير عند تقاطع آخر من طريق أسلكها كل يوم. ساعة واحدة قبل انتصاف النهار، أشاهد السيارات حولي ووجوه السائقين الحائرة. معظمهم يرافقني منذ أمد، كلنا أجزاء من أحجية في مشهد زحمة الحركة. شرطي سير عبثاً يطارد السيارات الهاربة من تهديداته بتحرير مخالفة

إلى يساري، أنتبه فجأة إلى ثلاثة أولاد، أكبرهم لم يتخطّ الثانية عشرة من عمره، وأصغرهم في الخامسة.
أجسام صغيرة مكوّرة تحت مظلة صفراء ممزقة وقد اختفى جزءٌ كبير منها. الولد الأكبر يبعثر محتويات كيس يخفي شيئاً غامضاً في داخله. بعدما أدخل يده وأخرجها عدداً من المرات، بانت في النهاية فردةُ حذاءٍ رياضي. نظر إليها مغتبطاً. لا شك أن الحذاء يناسب مقاس قدمه. هكذا فكّر، أو هكذا تخيّلتُ أنا. الولدان الآخران ينظران إلى الحذاء القديم، يفكران لو كانا أكبر بسنوات قليلة، لربما استطاعا استعارته من الأخ الأكبر. تأبط هذا الأخير الكيس، محتفظاً بابتسامته التي لا شك ستدوم النهار كله، ثم ذاب بين السيارات. تحديداً خرج من الإطار وكأنني أشاهد فيلماً صامتاً، صورته رديئة ومبللة. وددت لو أتابعه في ذهابه، لكنني بقيت مشدوهاً أنظر إلى الولد الأوسط المرتعش من البرد، يمد رأسه تحت المظلة كغصن شجرة متسللة إلى باحة بيت. ما تبقّى من جسده انهالت عليه الأمطار كالسوط. شعرتُ بالوجع يترنّح على ازرقاق شفتيه. على رغم مجاهدته البائسة للبقاء أطول فترة تحت المظلة، التصق شعره برأسه في خصل شقراء كخيوط في لوحة مرسومة على عجل.

في معارض الرسم القليلة التي زرتها، لطالما وقفتُ أمام لوحة حزينة أتقبّل البؤس الملوّن فيها برضوخ كلّي، كما كنت أتقبل السلام من غريب يجلس بجواري على مقاعد الكنيسة. اليوم، وجدت نفسي، مصادفةً، أمام لوحة لم أفكّر في ثمنها، وعلى أي جدار في المنزل سأعلّقها. جلّ تفكيري فاض حشرية لمعرفة اسم راسمها.

أبواق السيارات خلفي، دفعتني تلقائياً الى قيادة السيارة نحو الأمام، من دون أن أشيح بنظري عن الولد. وددتُ لو تأخر اللون الأخضر أكثر. عند التقاطع الثاني، كنت أشعر بأنني تركت ورائي قصة لن تنتهي. أستطيع أن أرى صورة الولد مطبوعة على الزجاج الأيسر للسيارة: انعكاس سيلاحقني لباقي ساعات هذا اليوم.

الولد المبلل الشعر، المرتجف من الصقيع، يرتدي قميصاً رقيقاً بان من جانبيه ساعدان نحيلان، وسروالاً قصيراً يظهر ساقيه كعودَي ثقاب تحملهما قدمان عاريتان تحلمان بحذاء.

للمرة الثانية، تكرار لأبواق السيارات، الزجاج المسدل أراحني من سماع شتائم السائقين الحانقين من بلادتي. ومجدداً تركتُ خلفي لوحة ثانية لخمسة أولاد، ستة أو سبعة لا أدري، يركضون بين السيارات كعصافير فاجأها دوي طلقة صياد

عندما تطاردك الأسئلة، تتمتع بإرهاقك إلى أن تستسلم وتصرخ: "لا آبه، وهذه ليست مشكلتي". بعبارات كهذه، استطعت الإفلات من نعيقها. أو هكذا تخيّلت.

عند المساء، جلستُ أنا وصديق لم أره منذ مدة نرتشف القهوة. الأسئلة المعتادة عن العائلة وأحوال العمل، تقابلها الأجوبة المعتادة أيضاً. سؤال واحد هرب من المشهد الصباحي، وتنكّر بكلمات مختلفة. سألتُ الرجل، لماذا اكتفيتَ بولد واحد؟ إجابته كانت لأسباب صحية حرمته من أبوة ثانية يريدها. أردف بعدها حديثاً مطولاً عن صعوبات التبني في لبنان، وفي معظم دول العالم، حتى تلك التي تعتبر راقية. أوراق، طلبات، زيارات، معاملات، وانتظار لأشهر بين سطر وآخر.

أخبرني عن صديق مشترك يعيش في فرنسا، ولصعوبة إجراءات التبني في باريس لجأ إلى السفارة الصينية. بعد أربع سنوات من المتابعة، قد يوافقون خلال شهرين على تسليمه يتيماً

يئس صديقي من فكرة التبني، على رغم أنه لم ينبذها نهائياً بعد. ينتظر معجزة أو حملاً مفاجئاً. وهناك، على تقاطع طرق لبنان المعروفة، أولاد مرميون ككلاب موبوءة تحت المطر، يلعبون بأذيال الوحدة



الاثنين 04 كانون الثاني 2010 - السنة 77 - العدد 23920


باسكال عسّاف     



3 comments:

  1. أحمد من السعودية

    موضوع جميل جداً لكاتبة سبق أن قدمت نصوص جيدة

    ReplyDelete
  2. very wonderful topic

    ReplyDelete

Share

Widgets